
رئاسة ترامب تحمل رسالة – سياسة
لم يعد بالإمكان الاعتماد على النصف الأول من مقولة تشرشل الشهيرة بشأن الديمقراطية
مما يعني أن على أستراليا إعادة النظر في سياستها الخارجية واستراتيجيتها الدفاعية.
الموقف الأسترالي ليس بنفس درجة الإلحاح أو التحدي الذي تواجهه أوروبا بعد أن أصبح مستقبل التحالف عبر الأطلسي غير مؤكد
لكن الحكومة الأسترالية ستضطر إلى اتخاذ قرار بشأن مدى اصطفافها مع توجهات الولايات المتحدة.
بما في ذلك تقاربها مع روسيا ونهج ترامب المميز في الحكم.
من غير الممكن الآن التنبؤ بما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل لحماية أوروبا في حال تعرضها لهجوم. روسي، أو الدفاع عن أستراليا في مواجهة تهديد صيني.
قد تكون أوروبا في وضع آمن نسبياً، فاقتصادها أكبر بعشر مرات من اقتصاد روسيا.
كما أنها تمتلك أسلحة نووية، ولو أن فرنسا فقط تمتلك 290 رأسًا نوويًا مقابل 1,700 تمتلكها روسيا وجاهزة للاستخدام.
أما أستراليا، فلا تملك أي فرصة للدفاع عن نفسها أمام الصين، وهو ما ذكرته بكين الأسبوع الماضي عبر مناورات عسكرية قبالة سواحل نيو ساوث ويلز.
انعكاسات تاريخية
لا يقتصر تأثير رئاسة ترامب على السياسة الخارجية والدفاع، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المؤسسات الأمريكية نفسها.
فبالشراكة مع إيلون ماسك، أحد أثرى رجال العالم، يعمل الرئيس الأمريكي على تفكيك أو إحكام السيطرة على مفاصل الدولة.
كما فعل العديد من الثوريين عبر التاريخ.
لا أحد يستطيع التنبؤ بالنهاية الحتمية لهذا التغيير الثوري في الولايات المتحدة.
فولاية ترامب الحالية تمتد لأربع سنوات فقط، لكنه صرّح مرارًا برغبته في الترشح لفترة ثالثة غير دستورية. كيف سيكون رد الحكومة الأسترالية والمعارضة على ذلك؟
لطالما كانت الديمقراطية الأمريكية نظامًا متماسكًا لا يتأثر كثيرًا بتغير الحكام، لأن ما يقرب من نصف السكان لا يصوتون للرئيس المنتخب.
مما يستوجب وجود ضوابط تحميهم من طغيان الأغلبية الضئيلة.
في الولايات المتحدة، تُدار العديد من القطاعات الحكومية بشكل مستقل أو شبه مستقل، مثل وزارة الخزانة التي يقودها عادة مسؤولون من وول ستريت، والاحتياطي الفيدرالي، والكونغرس الذي يتحكم في الميزانية. كما منح الدستور القضاء الأمريكي صلاحيات واسعة في صنع القرار.
لكن ترامب وماسك يعملان على فرض السيطرة على المال، وتقويض البيروقراطية الحكومية أو إعادة تشكيلها وفق رؤيتهما، بل وحتى تحدي السلطة القضائية.
ظهر ذلك بوضوح عندما واجه ترامب حاكمة ولاية ماين، جانيت ميلز، بشأن سياسته حول حقوق المتحولين جنسياً.
حيث أكدت أنها تلتزم بالقوانين الفيدرالية وقوانين الولاية، فرد عليها ترامب قائلاً: “نحن من يحدد القوانين الفيدرالية”.
قبل أسبوع، نشر ترامب اقتباسًا منسوبًا لنابليون بونابرت على منصته “تروث سوشيال” جاء فيه: “من ينقذ وطنه لا ينتهك أي قانون”.
ثم أعاد نشره على تويتر، وتبع ذلك نشره من الحساب الرسمي للبيت الأبيض.
مما أكد أنه ليس مجرد تصريح عابر بل رؤية سياسية جديرة بالاعتبار.
التغيرات في الإدارة الأمريكية
يتجلى هذا التحول بشكل واضح في مذكرة M-25-13 التي أصدرتها “مكتب الإدارة والموازنة” بعد أسبوع من تولي ترامب منصبه.
أمرت هذه المذكرة جميع الوكالات الفيدرالية بوقف أي تمويل مالي، بقيمة إجمالية تبلغ 3 تريليونات دولار أمريكي، ومراجعة جميع البرامج للتأكد من توافقها مع سياسات الرئيس.
ونصّت على أن: “للموظفين الحكوميين والمسؤولين السياسيين في السلطة التنفيذية واجب مواءمة الإنفاق الفيدرالي مع إرادة الشعب الأمريكي، كما تعكسها أولويات الرئيس”.
وأضافت تحديدًا: “إن استخدام الموارد الفيدرالية لدعم المساواة الماركسية، أو قضايا المتحولين جنسياً، أو سياسات الصفقة الخضراء الجديدة، هو هدر لأموال دافعي الضرائب ولا يحسن حياة المواطنين”.
تم تعليق تنفيذ المذكرة بعد أن أوقفها قاضٍ فيدرالي مؤقتًا.
ثم تأكد القرار بأمر قضائي آخر، لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أكدت أن القرار لم يلغِ تجميد التمويل الحكومي.
وفي خطاب ألقاه من البيت الأبيض، قال إيلون ماسك: “كل ما نحاول فعله هنا هو استعادة إرادة الشعب عبر الرئيس، لكننا نواجه بيروقراطية حكومية غير منتخبة تعارض الرئيس بشدة.
وإذا كانت البيروقراطية تمنع تنفيذ ما يريده الشعب، فهذا يعني أننا نعيش في نظام بيروقراطي وليس ديمقراطيًا”.
نقاط الضعف في الديمقراطية الأمريكية
يدّعي الفائزون في الانتخابات دائمًا أنهم حصلوا على تفويض شعبي، حتى لو كان بفارق ضئيل، رغم أن هذا التفويض غالبًا ما يكون مقتصرًا على السياسات التي تم إعلانها مسبقًا.
في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2024، بلغت نسبة المشاركة 63.9%، أي حوالي 155.2 مليون ناخب. حصل ترامب على 77.3 مليون صوت.
بينما حصلت كامالا هاريس على 75 مليون صوت، مما يعني أن الفارق كان ضئيلًا (49.8% مقابل 48.3%).
بمعنى آخر، فإن 31.9% فقط من الأمريكيين المؤهلين للتصويت هم من اختاروا ترامب.
ولكن ماذا عن الـ87 مليون شخص الذين لم يصوتوا؟ لا أحد يعرف ما إذا كانوا يوافقون على السياسات الحالية أم لا.
لكن إرادة الـ77.3 مليون ناخب الذين صوتوا لترامب هي التي تسود الآن، رغم أن العديد منهم بدأوا يشعرون بالندم، بعدما فقدوا مزايا اجتماعية أو حتى وظائفهم الحكومية.
وتشير الاستطلاعات إلى أن نسبة التأييد لترامب باتت أقل من 50%.
هذا هو واقع الديمقراطية: الأغلبية هي التي تحكم، ولو بفارق ضئيل.
في معظم الديمقراطيات، يكون الانقسام بين الأحزاب الكبرى قريبًا من 50/50، مع نسبة صغيرة من الناخبين المتأرجحين الذين يغيرون توجهاتهم كل بضع سنوات.
ولهذا السبب فإن وجود خدمة مدنية مستقلة وبرلمان تمثيلي يضمن استمرارية الحكم.
في أستراليا، كان الانقسام في انتخابات 2022 بنسبة 52/48، وتشير أحدث الاستطلاعات إلى أن التوازن قد انقلب بالفعل.
ومع انخفاض نسبة التصويت لكلا الحزبين الرئيسيين، من المرجح ألا يحصل أي منهما على أغلبية في الانتخابات القادمة.
لكن إذا حاول زعيم المعارضة الأسترالي، بيتر داتون، ومعه شخصية بارزة مثل جينا راينهارت، تنفيذ سياسات مماثلة لما يفعله ترامب وماسك، فمن المرجح أن تتم الإطاحة بهما بسرعة.
فالساحة السياسية الأسترالية شهدت الإطاحة بزعماء مثل كيفن رود، جوليا غيلارد، توني أبوت، ومالكولم تورنبول لأسباب أقل خطورة بكثير.
قد تكون الديمقراطية الأمريكية عظيمة، لكنها ربما ليست منيعة كما كان يعتقد البعض.